
:
▪️ شهدت السنوات الأولى من الحرب توقفاً تاماً وشاملاً للعملية التعليمية في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الدعم السريع، ليُستأنف التعليم تدريجياً وبصعوبة بالغة في العام الثالث، بينما تواصل التعليم بانتظام في مختلف المستويات والمراحل الدراسية داخل المدن والمناطق التي سيطر عليها الجيش وقوات الأجهزة الأمنية المختلفة ولم تتأثر بتداعيات المواجهات العسكرية المباشرة التي فرضت واقعاً كابي على النظُم التربوية في بقية المناطق المنكوبة بالصراع المسلح المستمر منذ اندلاع الأزمة.
▪️ ما زال قطاع التعليم في إقليم دارفور وبعض المناطق والمدن الخاضعة لسيطرة الدعم السريع يعاني من شبه توقف دائم ومستمر، وعلى الرغم من المحاولات الإعلامية المضللة التي تحاول إظهار حرص هذه المليشيا على استئناف تعليم مواطني تلك المناطق، إلا أن الواقع الميداني يكذب تلك الادعاءات بالكامل، كاشفاً عن حجم الإهمال المتعمد والتخريب الممنهج الذي تعرّضت له المؤسسات التعليمية هناك دون أدنى اكتراث لمستقبل الأجيال الناشئة التي وجدت نفسها ضحية لحروب عبثية مدمرة حرقَت الأخضر واليابس وحطمت البنى التحتية للمجتمع السوداني بأسره.
▪️ وتكبد قطاع التعليم في السودان بحسب احصائيات رسمية خسائر كارثية وغير مسبوقة شملت حرمان نحو 19 مليون طفل من الدراسة بما يمثل 90 ٪ من أطفال سن الدراسة، إلى جانب تدمير آلاف المدارس وتخريب محتوياتها بالكامل، وخسائر أولية فادحة في قطاع التعليم العالي قُدرت بنحو 3 مليارات دولار، مما أدى إلى خروج الجامعات السودانية العريقة من التصنيفات العالمية وإيقاف مسيرتها الأكاديمية والعلمية التي امتدت لعقود طويلة من البناء والعطاء المستمر في خدمة الوطن والإنسانية الواعية.
▪️ تقف الذاكرة الوطنية اليوم بحسرة بالغة أمام مشهد انكسار التعليم وضياع جيل كامل من الأبناء والنشء نتيجة الدمار المنهجي الذي لحق بالمؤسسات التربوية والتعليمية في مختلف مناطق ومدن السودان المنكوبة بنيران هذه الحرب المدمرة والمفروضة ظلماً على الشعب السوداني الأبي الذي يقاوم طغيان هذه القوات بكل ما أوتي من صمود وثبات وتحدٍ للظروف القاسية والبالغة التعقيد التي تمر بها البلاد في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها المعاصر.
▪️ شكل التوقف القسري والطويل للمدارس والجامعات كارثة وطنية كبرى أدت بشكل مباشر إلى فقدان الملاذ الآمن والتربوي الذي كان يحتضن ملايين الطلاب ويوجه طاقاتهم الفتيّة نحو البناء والمعرفة والعلم النافع والمثمر لخدمة المجتمع الدولة في المستقبل القريب والبعيد دون انقطاع، مما خلق فراغاً هائلاً ترتبت عليه تداعيات نفسية واجتماعية بالغة الخطورة على مستقبل الشباب والنشء في شتى أنحاء البلاد التي تعاني من مرارة الفقد والنزوح.
▪️ عمدت هذه المليشيا بكل وحشية وهمجية إلى تحويل المؤسسات التربوية ومدارس الأطفال والحاضنات المهنية والحرفية إلى ثكنات عسكرية ومخازن محصنة للعتاد الحربي، ومعسكرات للتدريب على القتل والتدمير الممنهج لمقدرات الأمة، مما أدى لتعطيل طاقات الشباب وتدمير البنى التحتية للتعليم الفني والمهني في تحدٍ سافر لكل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية التي تجرم الاعتداء على المؤسسات التعليمية وحرمتها التاريخية والتربوية المصونة لدى كافة شعوب العالم المتحضر.
▪️ مثل خطر استقطاب الشباب والأطفال قسراً من قِبل هذه القوات تحدياً خطيراً يهدد مستقبل البلاد برمّتها عبر عمليات غسل عقول الصغار ودفعهم بغير رحمة إلى جبهات القتال بلا شفقة على مستقبلهم الضائع في أتون حرب المليشيا والدمار الشامل التي تستهدف الهوية السودانية وصمودها التاريخي وقيمها الفاضلة المبنية على التسامح والسلام والتعايش السلمي والأخوة الإنسانية بين كافة مكونات المجتمع الأصيل.
▪️ يتسبب الفراغ القاتل وغياب المؤسسات التعليمية والتربوية في تفشي سلوكيات سالبة وانحرافات خطيرة بين صفوف الجيل الجديد الذي تُرك بلا توجيه أو رعاية تضمن سلامة مسيرته الحياتية وتحميه من مخالب الانزلاق السريع نحو الهاوية والضياع الاجتماعي والأخلاقي المقيت في ظل هذه الظروف الاستثنائية القاسية التي تجتازها الأسر السودانية وسط تداعيات النزوح والتشرد وضياع مقومات العيش الكريم والستر.
▪️ أدى هذا الوضع المأساوي المتراكم إلى ضياع الدور التربوي المتكامل للأسرة والمدرسة معاً نتيجة تهاوي المنظومة الحياتية برمتها، وتحت ضغط موجات النزوح واللجوء والتشرد المستمر في أصقاع الأرض هرباً من بطش هذه القوات الغاشمة التي لا تتقن سوى لغة الخراب والدمار الشامل الموجه ضد المدنيين العزل والمؤسسات المدنية والخدمية في مختلف المدن والقرى التي طالتها يد العدوان.
▪️ في مقابل هذا الظلام الدامس، برزت ملاحم الصمود المجتمعي حيث لجأت بعض الأسر والمجتمعات المحلية إلى تنظيم جهودها ذاتياً عبر التعليم المنزلي، وإنشاء فصول دراسية بديلة وخلوات ومجالس تعليمية شعبية أنقذت جزءاً مقدراً من عقول الأبناء وحافظت على جذوة المعرفة مشتعلة في وجه عواصف العنف والجهل، مؤكدة إرادة الإنسان السوداني الصلبة في قهر الصعاب وصنع الأمل من قلب المعاناة والمحن المتكررة.
▪️ يشكل انتشار شبح الجهل والأمية خطراً استراتيجياً داهمًا يهدد مستقبل الوطن ويعيد البلاد إلى عصور مظلمة تقوض كل فرص النهوض والتنمية المستدامة المنشودة للأجيال القادمة التي تحمل وحدها على عاتقها أمانة بناء الوطن العظيم واستعادة ريادته بين الأمم الحرة والمتقدمة، وهو ما يتطلب وعياً جمعياً متجدداً وجهوداً جبارة لتدارك ما يمكن تداركه قبل فوات الأوان وضياع مجهودات النهضة المنشودة.
▪️ ويظل الملف المسكوت عنه في مستقبل التعليم في مناطق المليشيا جرحاً نازفاً يحتاج إلى شجاعة وطنية فائقة لتشخيصه ومعالجته فوراً قبل أن يتحول إلى كارثة هيكلية تستحيل إدارتها أو تدارك آثارها الكارثية على المدى القريب والبعيد على حد سواء في كافة أقاليم السودان المختلفة التي عانت وما زالت تعاني من وطأة التدمير الممنهج والتهميش المتعمد لمؤسساتها التعليمية والتربوية والتنموية على مدار السنوات الماضية.
▪️ تتسع دائرة المسؤولية التضامنية لتشمل جيل الكبار بأكمله في حماية الأبناء وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من العملية التعليمية المهشمة بفعل آلة الحرب الجنجويدية الهمجية والمدمرة لكل شيء جميل في حياة السودانيين عبر تاريخهم الطويل الحافل بالبناء والتشييد والتعايش السلمي والمحبة والتآخي بين جميع مكونات الشعب العظيم الذي يستحق الحياة الكريمة والمستقبل المشرق والأمان.
▪️ تتطلب مواجهة هذه المعضلة الإنسانية والتعليمية استنفاراً مجتمعياً وثقافياً طارئاً لإيجاد بدائل تعليمية مؤقتة ومبتكرة، مع نداء عاجل لتدخل المنظمات الإنسانية الدولية والمهتمة بالتعليم لدعم جهود الإعمار وإنقاذ ما يمكن إنقاذه في مناطق العودة الطوعية وتهيئة البيئة الملائمة لعودة التلاميذ لمدارسهم وتأهيل المرافق المدمرة لتمكينها من أداء رسالتها السامية النبيلة في خدمة المجتمع والدولة.
▪️ بعد اكثر من عام من الحرب بدأت الحياة تدب تدريجياً في أوصال العملية التعليمية مع فتح الجامعات والمدارس الخاصة أبوابها وإقامة امتحانات الشهادة الثانوية للأعوام (2023 – 2024 – 2025)، وهي مؤشرات إيجابية بالغة الأهمية تستدعي تكاتف الجهود الوطنية الخالصة معالجةً للفواقد والسلبيات، ووضع قطار التعليم في دارفور وعموم السودان في مساره الصحيح بعد التخريب الممنهج، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة عنوانها البناء والتعمير واستعادة الأمل المنشود لأبناء الوطن الطيب.
نواصل


